كتب مايكل هورويتز أن «خط بارليف» الإسرائيلي كان يفترض أن يكون حصنًا يستحيل اختراقه. فقد شُيّدت سلسلة من المواقع الدفاعية المحصنة على امتداد قناة السويس عقب الانتصار الإسرائيلي الخاطف في حرب الأيام الستة عام 1967، بعدما أوضحت حرب الاستنزاف التي خاضتها مصر لاحقًا أن الحدود تحتاج إلى دفاعات أكثر تحصينًا.


وبحسب المجلة، منح الانتصار إسرائيل أراضي واسعة جديدة، ونقل حدودها الجنوبية إلى قناة السويس، لكنه أوجد في الوقت نفسه مشكلة عملية: كيف يستطيع جيش صغير السيطرة على مساحة شاسعة من دون استنزاف قواته؟ جاء خط بارليف إجابة عن هذا السؤال، إذ كان يفترض أن يمنح إسرائيل القدرة على الرصد والقوة النارية والوقت الكافي للتعامل مع أي هجوم.


في 6 أكتوبر 1973، لم يحقق الخط أيًا من هذه الأهداف. فقد عبرت القوات المصرية قناة السويس بينما كان نحو 450 جنديًا إسرائيليًا يديرون جزءًا محدودًا من مواقع الخط. واستخدم المهندسون العسكريون المصريون خراطيم مياه عالية الضغط لاختراق السواتر الرملية الضخمة خلال ساعات.

 

وانهار الخط الذي أصبح رمزًا للثقة الإسرائيلية بعد عام 1967 خلال أيام، فيما قُتل أكثر من مئة من المدافعين الإسرائيليين أو أُدرجوا في عداد المفقودين، وأُسر آخرون.


وبعد خمسين عامًا، انهار حاجز آخر اعتقدت إسرائيل أنه عصي على الاختراق. فقد اخترق مقاتلو حركة حماس السياج الإسرائيلي المحيط بقطاع غزة، وهو منظومة بلغت كلفتها مليار دولار، وتضم أجهزة استشعار ومحطات أسلحة يتم التحكم فيها عن بُعد ومنشآت خرسانية تحت الأرض وأنظمة مراقبة، في أكثر من 40 نقطة خلال دقائق في 7 أكتوبر 2023.

 

واستخدم المقاتلون المتفجرات والجرافات والدراجات النارية والطائرات الشراعية للتغلب على حاجز وصفه مسؤولون إسرائيليون بأنه حل حاسم للتهديد القادم من غزة.


لكن إسرائيل، بعد سقوط خط بارليف، لم تشيد جدارًا أعلى على طول قناة السويس، ولم تلجأ إلى إنشاء منطقة عازلة أعمق لحماية سياج جديد، بل اتجهت إلى التفاوض. وبعد ست سنوات من حرب أكتوبر، وقّع مناحيم بيجن معاهدة سلام مع مصر، وانسحبت القوات والمستوطنات الإسرائيلية من سيناء، وقبلت إسرائيل بمنطقة عازلة منزوعة السلاح تخضع لمراقبة قوة دولية. وصمد هذا الترتيب لما يقرب من نصف قرن.


أما بعد 7 أكتوبر، فسلكت إسرائيل مسارًا مختلفًا. إذ توسع المناطق العازلة في سوريا ولبنان، وتعيد تشكيل غزة حول «الخط الأصفر» ذي الطابع العسكري. ويبدو المنطق واضحًا: عندما يفشل السياج، يُدفع التهديد إلى مسافة أبعد. لكن السؤال الأصعب يتمثل في مدى قدرة هذه الاستراتيجية على توفير أمن مستدام، أو ما إذا كانت ستنشئ ببساطة محيطًا أكبر يتعين على إسرائيل الدفاع عنه إلى أجل غير مسمى.


إسرائيل ودولة الحواجز


تجتذب الحواجز إسرائيل بصورة تكاد تكون انعكاسًا لرد فعل وطني متأصل. فقد طرح زئيف جابوتنسكي في مقالته الشهيرة «الجدار الحديدي» فكرة أن السيادة اليهودية لن تصبح مقبولة لدى الخصوم العرب إلا إذا حُميت بقوة ساحقة. وورثت الدولة الإسرائيلية الحديثة هذه الرؤية، إذ قدمت الأسوار والحواجز والمواقع العسكرية والمناطق العازلة إجابة ملموسة عن مشكلة مستمرة: كيف يمكن تحقيق الأمن وسط حدود متنازع عليها وجماعات مسلحة معادية ودول مجاورة ضعيفة؟


وتركت كل مواجهة تقريبًا بنية مادية خاصة بها على الخريطة، من خط بارليف في سيناء إلى السياج في الجولان بعد عام 1967، والمنطقة الأمنية في جنوب لبنان بين عامي 1985 و2000، وحاجز الفصل في الضفة الغربية بعد الانتفاضة الثانية. ولم تكن هذه الإجراءات مجرد مشروعات هندسية، بل جسدت نظرية أمنية تقوم على أن الحدود القابلة للسيطرة يمكن أن تعوض حالة عدم اليقين السياسي خارجها.


لكن سجل هذه الحواجز جاء متفاوتًا.


وتقدم المنطقة الأمنية القديمة في جنوب لبنان أبرز التحذيرات من مخاطر هذا النهج. فقد أنشأت إسرائيل المنطقة عام 1985 بعد انسحابها من معظم الأراضي التي احتلتها خلال حرب لبنان عام 1982. وامتدت المنطقة عدة كيلومترات شمال الحدود الإسرائيلية، وسيطرت عليها قوات إسرائيلية بالتعاون مع جيش لبنان الجنوبي، وهو ميليشيا محلية متحالفة مع إسرائيل.


ونجحت الاستراتيجية في نطاقها الضيق، إذ خفضت المنطقة الأمنية عدد عمليات التسلل إلى شمال إسرائيل. لكنها لم توقف الصواريخ وقذائف الهاون التي استطاعت ببساطة تجاوزها، كما لم تزل التهديد الذي شكله حزب الله. وعلى العكس، ساعد الوجود الإسرائيلي طويل الأمد حزب الله على ترسيخ شرعيته باعتباره حركة مقاومة تلتزم بإنهاء الاحتلال.


وفرضت المنطقة كذلك كلفة عسكرية وسياسية مستمرة. وقُتل مئات الجنود الإسرائيليين خلال الحملة الطويلة، وأطلق المحاربون القدامى على الصراع اسم «وحل لبنان»، في إشارة إلى مواجهة بلا جبهة واضحة أو انتصار واضح أو نهاية واضحة. وتصاعد الضغط الشعبي بعد اصطدام مروحيتين إسرائيليتين عام 1997، ما أسفر عن مقتل 73 جنديًا كانوا في طريقهم إلى لبنان. وأسهمت الكارثة في دفع حركة «الأمهات الأربع» إلى المطالبة بالانسحاب.


وعندما سحب رئيس الوزراء إيهود باراك القوات الإسرائيلية في مايو 2000، انهار جيش لبنان الجنوبي على الفور تقريبًا. وخرج حزب الله من المرحلة أكثر قوة وثقة وترسخًا في جنوب لبنان. وهكذا حمت إسرائيل حدودها من نوع واحد من الهجمات، لكنها ساعدت في الوقت نفسه على خلق القوة التي ستتحدى وجودها بصورة أكثر فاعلية لاحقًا.


ويقدم حاجز الضفة الغربية قصة أكثر إيجابية. فقد تراجعت العمليات الانتحارية داخل إسرائيل بصورة حادة بعد بدء تشييده عام 2002، عقب الذروة الدموية للانتفاضة الثانية. وجعل الحاجز وصول المهاجمين إلى المدن الإسرائيلية أكثر صعوبة، وعقّد التخطيط للعمليات. وكان تأثيره حقيقيًا.


لكن الحاجز لم يكن العامل الوحيد وراء تراجع العنف. فقد عادت إسرائيل أيضًا إلى المدن الرئيسية في الضفة الغربية خلال عملية «السور الواقي»، وفككت شبكات مسلحة، ونفذت اعتقالات، وطورت تغطية استخباراتية أكثر كثافة. وعكس انخفاض العمليات الانتحارية مزيجًا من الحاجز المادي والحملة العسكرية المكثفة.


وتكمن أهمية هذا التمييز في أن الحاجز نجح في الحد من تهديد محدد، لكنه لم يحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وبعد عقدين، لا تزال الضفة الغربية مضطربة، ولا يزال الحاجز محل نزاع سياسي.


عقيدة ما بعد 7 أكتوبر وتوسيع الدفاع إلى الأمام


منذ 7 أكتوبر، وسعت إسرائيل هذا المنطق من الحدود إلى الدفاع المتقدم. ولم يعد الهدف يقتصر على منع المهاجمين من العبور، بل أصبح يتمثل في إنشاء عمق جغرافي يسمح برصد التهديدات وتحييدها قبل وصولها إلى التجمعات الإسرائيلية.


وفي سوريا، أتاح انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 فرصة سارعت إسرائيل إلى استغلالها. ودخلت القوات الإسرائيلية المنطقة العازلة التي كانت الأمم المتحدة تشرف عليها وفصلت بين القوات الإسرائيلية والسورية منذ اتفاق فك الاشتباك عام 1974. ثم أقامت مواقع أعمق داخل الأراضي السورية، بما في ذلك على جبل الشيخ.


وشيدت إسرائيل تسعة مواقع في المنطقة الجديدة، من بينها مواقع على الجولان وعلى امتداد سلسلة جبل الشيخ. ووصف ضباط إسرائيليون الخطوة بأنها درس مباشر من 7 أكتوبر. ويرون أن وجودًا عسكريًا خارج الحدود يوفر وقتًا للإنذار ويمنع القوات المعادية من تنظيم نفسها بالقرب من البلدات الإسرائيلية.


وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن القوات الإسرائيلية ستبقى في المنطقة إلى أجل غير مسمى. وتحمل هذه العبارة أهمية كبيرة، ليس فقط لأنها تحول العملية الأمنية إلى وجود احتلالي، وإنما لأنها توحي أيضًا بأن الوجود الدائم أصبح غاية في حد ذاته.

 

وكان سيبدو الأمر مختلفًا لو استغلت إسرائيل الفوضى التي أعقبت سقوط الأسد لإنشاء منطقة عازلة مؤقتة إلى أن تتوصل إلى تسوية مع السلطة الجديدة في دمشق. لكن إعلان أن المنطقة العازلة نفسها هي الحل لتأمين الحدود الإسرائيلية مع سوريا يطرح مسألة مختلفة تمامًا.


ويظهر التوتر نفسه في لبنان وغزة، حيث تدعم إسرائيل حواجزها القائمة بخط دفاع متقدم. ففي لبنان، تجري إسرائيل محادثات مع الحكومة المركزية، ووقّع مسؤولون إسرائيليون ولبنانيون في يونيو 2026 اتفاقًا إطاريًا في واشنطن. ويحدد أول اتفاق رسمي بين الحكومتين مسارًا لانسحاب إسرائيلي تدريجي من أجزاء من جنوب لبنان، مشروطًا بإثبات الجيش اللبناني نزع سلاح حزب الله في كل قطاع.


ورفض حزب الله الاتفاق، مؤكدًا أنه لم يكن طرفًا في المفاوضات. ولا تزال الدولة اللبنانية هشة، كما تبقى قدرتها على فرض احتكار السلاح غير مؤكدة.
أما غزة فتختلف عن ذلك.

 

فقد نشأ «الخط الأصفر» عقب الانسحاب الإسرائيلي في المرحلة الأولى من إطار وقف إطلاق النار لعام 2025، وأبقى إسرائيل في سيطرة مباشرة على أكثر من نصف القطاع. ويضم الخط حزامًا من المواقع المحصنة وطرقًا استراتيجية ومساحات واسعة من شمال غزة وجنوبها.


ويصف القادة الإسرائيليون الخط بأنه خط دفاع متقدم ومنصة للعمل الهجومي في الوقت نفسه. ويهدف إلى ضمان عدم قدرة حماس على حشد قوات مجددًا بالقرب من الحدود، أو حفر أنفاق هجومية، أو شن هجوم واسع النطاق على التجمعات الإسرائيلية.


لكن الخط يواجه خطر التحول إلى وضع دائم. فقد أعلنت إسرائيل أنها لن تنسحب أكثر قبل نزع سلاح حماس بالكامل، بينما أبدت الحركة بعض الانفتاح على ترتيب سياسي، لكنها ترفض تسليم أسلحتها وفق الشروط الإسرائيلية. وينتج عن ذلك مأزق استراتيجي مألوف: لن تنسحب إسرائيل قبل نزع سلاح حماس، ولن تنزع حماس سلاحها ما دامت إسرائيل موجودة في غزة.


وعلى خلاف ما حدث بعد نهاية حرب أكتوبر 1973، اختارت إسرائيل حتى الآن تشييد حواجز أكبر بدلًا من السعي إلى السلام. وقد يرتبط هذا الخيار في بعض الحالات بمدى استعصاء الأوضاع خلف الخط. ففي غزة، تبدو فكرة ترك حماس داخل ملاذ يمكنها من إعادة التسلح وربما التخطيط لهجوم آخر على غرار 7 أكتوبر أمرًا لا يحتمل بالنسبة إلى معظم الإسرائيليين.

 

أما في لبنان، فعلى الرغم من وجود مؤشرات أوضح إلى أن الحكومة اللبنانية باتت أكثر جدية من أي وقت مضى في مواجهة حزب الله، فإن الحزب قوي للغاية بحيث يصعب مواجهته مباشرة، كما أن القضاء على نفوذه سيستغرق سنوات.


ومع ذلك، تجد إسرائيل نفسها في وضع ترد فيه على اختراق أحد الحواجز بالدفاع عن ذلك الحاجز في الأراضي الواقعة خلفه.


كلفة العمق الأمني الإسرائيلي


تستند العقيدة الإسرائيلية الجديدة إلى إدراك جاد ومفهوم. فقد أظهر 7 أكتوبر أن السياج الحدودي المتطور ليس نظامًا دفاعيًا مكتفيًا بذاته.

 

ويستطيع خصم مصمم دراسة هذا السياج واستغلال نقاط ضعفه والتغلب عليه قبل أن يتمكن المدافعون من الرد. ولا تستطيع إسرائيل الاعتماد على أجهزة الاستشعار وحدها لحماية تجمعات تقع على بعد بضعة كيلومترات فقط من أراضٍ معادية.


وتوفر المناطق العازلة ما لا تستطيع الحواجز توفيره: العمق. فهي تدفع المواجهة بعيدًا عن المدنيين الإسرائيليين، وتمنح الجيش وقتًا أطول لرصد التحركات وتعبئة القوات والرد عليها. وهذا المنطق ليس غير عقلاني. فبعد 7 أكتوبر، كان من المحتم أن تتجه إسرائيل إلى مستوى من الدفاع المحصن ومتعدد الطبقات.


لكن للعمق كلفة. فهو ينقل عبء انعدام الأمن إلى أراضي الدول المجاورة، حيث تمتلك المجتمعات المحلية والجماعات المسلحة عادةً مظالمها وحوافزها الخاصة. وقد تخفف المنطقة العازلة عمليات التسلل، لكنها في الوقت نفسه قد تعزز الظروف السياسية التي تفرز جيلًا جديدًا من المقاتلين.

 

وأثبت جنوب لبنان خطورة ذلك. فقد سيطرت إسرائيل على أراضٍ لحماية شمالها، لكن الاحتلال نفسه أصبح أقوى رواية استخدمها حزب الله لتجنيد الأنصار.


ويبقى السؤال الأساسي الذي يتعين على الإسرائيليين حسمه هو: هل يمكن أن تكون المنطقة العازلة جسرًا إلى تسوية سياسية، أم أنها ستتحول إلى بديل دائم عنها؟

 

https://en.majalla.com/node/332595/opinion/israel%E2%80%99s-buffer-zones-security-line-or-permanent-war